الشيخ محمد رشيد رضا
10
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
ينسخ ما قبله ، فالتفرقة إما من جهل هذه الحقيقة وهو جهل حقيقة الرسالة والكتب المنزلة ، وإما من اتباع الهوى وايثاره على طاعة اللّه ورسله . فالمؤمنون الذين يعتدّ بايمانهم هم الذين يعرفون حقيقة الرسالة وبها يعرفون الرسل فلا يفرقون بين أحد منهم أُولئِكَ سَوْفَ يُؤْتِيهِمْ أُجُورَهُمْ لأنهم وقد صح ايمانهم باللّه ورسله وكانوا على بصيرة فيه « يهديهم ربهم بايمانهم » الصحيح إلى العمل الصالح الذي هو أثره ولازمه ، ولم يذكر العمل هنا كما هي سنة القرآن العامة في مقام الجزاء لان السياق هنا في مقابلة الايمان الصحيح باللّه ورسله بلا تفرقة بالكفر التام ، ومقابلة وعده للمؤمنين بوعيده للكافرين . ولم يقل في هؤلاء انهم هم المؤمنون حقا كما قال في أولئك انهم هم الكافرون حقا ، لئلا يتوهم متوهم ان كمال الايمان يوجد وإن لم يترتب عليه لازمه من الهدى والعمل الصالح فيغتر بذلك ، وقد وقع الناس في مثل هذا على كثرة ما ينافيه ويرده من آيات القرآن . أما المؤمنون حقا فقد بين اللّه وصفهم في غير هذا الموضع كقوله تعالى « إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ ، وَإِذا تُلِيَتْ عَلَيْهِمْ آياتُهُ زادَتْهُمْ إِيماناً وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ . الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَمِمَّا رَزَقْناهُمْ يُنْفِقُونَ . أُولئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ دَرَجاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ » وتأمل الفرق بين الوعد في هذه الآية الأخيرة من هذه الآيات والوعد في الآية التي نفسرها تجده عظيما فإنه تعالى أثبت لهؤلاء الذين هم المؤمنون حقا الدرجات العلى عند ربهم والرزق الكريم بلام الملك جزاء على ما أثبت لهم من أصل شجرة الايمان وفروعها ، واما أولئك الذين أثبت لهم الأصل فقط وهو الايمان باللّه ورسله بلا تفرقة بينهم فإنما وعدهم بأنه يعطيهم أجورهم أي بحسب حالهم في العمل . قرأ حفص عن عاصم ويعقوب عن قالون « يؤتيهم » في الآية بالياء والباقون بالنون وَكانَ اللَّهُ غَفُوراً رَحِيماً غفورا لهفوات من صح ايمانه فلم يشرك بربه شيئا ولم يفرق بين أحد من رسله ، رحيما بهم يعاملهم بالاحسان لا بمحض العدل ، وقد يختص من شاء بضروب من رحمته التي وسعت كل شيء فلا يشاركهم فيها غيرهم